خيبة أخرى !

أحمد سيف حاشد
الثلاثاء ، ٢٨ يوليو ٢٠٢٠ الساعة ١٠:٤٦ مساءً

 

• أصابتني خيبات متلاحقة بعضها يفوق الاحتمال.. داهمني الفشل الذريع مرات عديدة.. رافقني الخذلان كثيرا.. مررت بانكسارات غير قليلة.. نزلت على رأسي ضربات موجعة.. جيوش من المخاوف ظلت تلاحقني..

مررتُ بلحظات ضعف، وأسئتُ التقدير في أحايين كثيرة.. لازمت حياتي نقاط ضعف اعتدتها، بل وجدتها بعض منّي وجزء من تكويني.. عشتُ هزائمي في الواقع، وتجرعتُ مرارات الحقيقة..

 

• وفي المقابل أظن أني احتفظتُ داخلي بما هو أهم.. لا أيأس.. أرفض أن أموت وأنا لازلت حيا.. لا أكف عن المحاولة.. أثابر من أجل الوصول.. أنهض واستمر بالسير عقب كل كبوة أو وقوع.. استعيد توازني عقب كل صدمة.. أغالب مخاوفي وأنانيتي.. أتجاوز نقاط ضعفي بتعويضها بنقاط قوة موازية.. في وجه الهزيمة أمارس وجودي رفضا وصمودا ومقاومة، أو على حد تعبير أحد المفكرين: "لستَ مهزومًا ما دُمْتَ تقاوِم".

 

• أستريح عندما أتعب.. أرمم روحي عقب كل تهالك أو تهشم أو انكسار.. استعيد نفسي دفعة واحدة، أو على مراحل إن أقتضى الحال.. أتعافى.. أعود وافر الروح، وبمعنوية دافقة.. أراجع بشجاعة.. أعيد التقييم والنظر بجُرأة.. أنتقل للبدائل والخيارات الأخرى كلما وجدت ذلك مناسبا، أو ضروريا وممكنا..

 

• كنت أحدث نفسي: يجب أن أتعافي مما أنا فيه، وأن لا يدركني اليأس.. ألم يقل أحدهم: "لا يأس مع الحياة".. الأمل وحده هو من يبقينا أحياء ولا يجعلنا نستسلم لموت مغلّظ وساحق.. فقدان فتاة أو أكثر ليست آخر العالم.. الفتيات كثار والأرض واسعة.. يجب أن لا أكف عن المحاولة.. يجب أن لا تنطفئ فيني جذوة الأمل وانتاج الحلم.. لزم عليّ السعي والمثابرة.. سأجد أبواب مشرعة، وشرفات مفتوحة، وقلوب تنتظر مجيئي على أحر من الجمر..

 

• الحياة خلاقة مهما أجهمت.. الأمل يتجدد.. تحويل الفشل إلى نجاح في متناول الإمكان.. تجربة الفشل تضيف لصاحبها معرفة جديدة، بل قال بعضهم: هي أول خطوة في طريق النجاح، وقال آخرون: تمنح الخبرة الواعية على هذه الطريق.. 

 

• ربما أيضا يبتسم الحظ في يوم قائض وتمطر السماء.. ربما هناك صدفة تتحين اللقاء، أو بشارة لطالما تم انتظارها.. لازال في الآتي ما هو أجمل.. ألم يقل أحد الشعراء "أجمل الأيام تلك التي لم تأتِ بعد".. هكذا كنت أحدث نفسي وأعيينها في مواجهة انكساراتها وما أصابها من نيل وخذلان..

 

***

 

• أريد فتاة فقيرة لا تملك قيمة حذاء.. فتاة كهذه ستكون على استعداد أن تعبر معي وادي الجحيم.. لن تتركني وحدي وسط الطريق.. لن تتخلى عني.. لن تخذلني.. أريد فتاة تلاحقني إن تخلت عنّي الحظوظ وتوحشت في وجهي الأقدار..

 

• لا أريد فتاة تقلب المجن من أول امتحان.. أريد فتاة أستطيع أن أساعدها.. أعيد صياغتها وأرتقي بها.. نرتقي معا إلى ما هو أسمى وأجمل.. أريد فتاة جميلة.. أليست أحياء الفقراء مسكونة بالجمال.. أليس في الغجر أجمل الفواتن.. أليس الفقراء حباهم الله بجمال آسر وأخاذ.. ألم يقل أحد الشعراء لربه: "انت جميل تحب الجمال".

 

•  وجدتها في "ريف الجبل".. أمعنتُ في قولي: "وجدتها بعد إعياء وبحث".. العجز شل لساني!! "جميلة جدا" جملة أصبحت دونها وصفا وخيالا.. جملة لا تليق بما أشاهده أمامي بأبعاده وآماده وكثافته.. كأنها لؤلؤة جاءتني من قاع المحيط!! "لؤلؤة"؟!!

هذا أيضا تشبيه لا يليق بوصفها.. هي هبة السماء.. درة كونية جاءتني من فضاء بعيد وعالم آخر.. من غير العدل أن ينتعل كل هذا الإبهار حذاء مهتري!!

 

• إشراقات الكون تجتاحني.. ما أراه فاق تصوّري وخيالي.. السماء تمطر فيني فرحة وبهجة.. تتلألأ في عيوني.. تشتعل في وجداني.. إيقاعات صوتها تجرفني إلى دلتا خصيبة.. نهداها أرجوحة سماوية.. حلمي يتمرجح بين المشارق والمغارب.. تناديني مفاتنها إلى أوطاني التي لطالما بحثت عنها في المتاهات البعيدة.. 

 

• احتشدت فيني ألف دهشة.. غمرتني بشلالات ضوؤها حتى غبت عن وعيي انبهارا ودهشة.. الألوان تتجاذبي من كل طرف واتجاه.. قوس قزح يكلل وجودنا بتيجان المحبة والفرح.. فيضها بات أكبر من عالمي.. يتمدد في مدى لا ينتهي..

 

• أحببتها من النظرة الأولى.. من الوهلة الأولى.. أصابتني بكل سهام العذارى.. اصطادتني بكل شباك الفاتنات الحسان.. أوقعتني المجنونة في حب مجنون مختلف.. أوقعتني من نظرة أولى.. من وهلة أولى.. من لحظة أولى.. تملكتني من أول مشهد وأول مشاهدة.. 

 

• هنا حط رحالي.. هنا كل المواسم والفصول.. هنا الفرص وكل الفسح.. الأعياد والهدايا.. الصوت والصداء.. الفطرة والنقاء.. الحقول والأغنيات.. هنا ملاذ ومستقر المحب الذي أعياه البحث والترحال والسفر..

 

• أفرط جمالها وبذخ.. تعدّى الكمال!! جلّت قدرتك يا الله.. كيف لألف معجزة أن تتكثف في واحدة؟!! أسرتني.. تملكتني.. خطفت قلبي من منبته.. قلعتني من الجذور.. صادرتي دون محضر أو استلام.. انتزعتني من وجودي.. ضمتني إلى وجودها دون خيار أو حوار..

 

• خطبتها من أبيها وأمها.. وقبل ذلك كانت موافقتها.. كان عيد للجميع.. عيد مكلل بالرضى.. مغمورا بالسعادة والفرح.. غير إن الحال لم يدم..

بعد أيام أو أسابيع قليلة أنقلب الحال إلى محال.. صدمني خبر بالغ السوء.. قطعوا أملي بصاعقة.. متطرفو حماة العقيدة وحراس معبدها أطاحوا بفرحي.. أجهزوا عليه.. ضغطوا على الأسرة البسيطة التي عادت وسحبت موافقتها.. منعوا ومانعوا وحالوا.. غم عليّ.. أكلحت السماء واسودت الدنيا في عيوني.. هبط الليل وأدلج في عز النهار.. وكان العذر أقبح من ذنب دميم.. قالوا أنني "شوعي وملحد"..

 

• عدت أدراجي منطويا على نفسي.. كسيرا ومتعبا ومثقلا بخيبة كبيرة لا تقوى على جرّها خيولي المنهكة.. عدت مكسور الظهر والخاطر والفؤاد.. أغالب الكآبة والألم والكمد.. عدت ألملم حطامي.. أشلائي المبعثرة.. روحي الممزقة.. حلمي المبدد بعاصفة..

أضافوا إلى معاناتي خيبة جديدة تشبه الجحيم.. قتلوني المتطرفون من كهنة الدين وحراس المعبد وحماة العقيدة..

اليوم
الأسبوع
الشهر